شمرانيات

أهلا وسهلا ومرحبا بكم جميعا في شمرانيات ..

( منتدى الرأي والرأي الأخر )


الشيفونية ..

شاطر
avatar
د/عبدالله
المدير العام
المدير العام

المساهمات : 13
نقاط التقدير : 0
نقاط التقييم : 90
الموقع : http://shamraniat.ahlamontada.com

الشيفونية ..

مُساهمة من طرف د/عبدالله في الأربعاء 28 مارس 2018 - 12:41



السلام عليكم ..

لقد تجرعت المجتمعات الأوروبية مرارات الشيفونية، وعانت من ويلاتها، بشكل مخيف ومرعب، ربما أكثر من غيرها، لذا اتخذت منها في عرفها السياسي سمة مسبة ومنقصة، وجعلت من مصطلح الشيفوني وصف تنفير وتحقير لكل من تتلبسه هذه الحالة المرضية ..
فماذا يعني إذن مصطلح الشيفونية ؟
بالعودة إلى الموسوعة السياسية نجد أن الشيفونية مصطلح من أصل فرنسي، يرمز إلى التعصب القومي المتطرف، نسبة إلى جندي فرنسي يدعى نيقولا شوفان …حارب تحت قيادة نابليون بونابرت، وكان مضرب الأمثال في تعصبه لوطنه، وتفانيه في هذا السبيل… ومع الأيام اتخذ المصطلح معنى التعصب والعداء للأجانب والتزمت القومي. وفي بعض الأحيان استخدم لوصم الأفكار الفاشية والنازية في أوروبا، ومن ثم شاع استعماله في العالم…
من هنا نصل إلى أن الشيفونية هي وصف لكل تعصب يصل بالإنسان إلى حد نفي الآخر، والمغالاة في تعظيم الذات، والعمل على إفرادها بالهيمنة على مقاليد السلطان، والنظرة إلى الآخرين نظرة دونية. وهي بهذا الوصف ليست سلوكا خاصا بفئة دون أخرى، ولا بمجتمع دون آخر، بل هي حالة مرضية تعتري كل الفئات البشرية، وأحاسيس تكمن في دواخل الإنسان، وتظهر واقعا ممارسا في حياته، كلما سنحت لها الظروف، ووجدت الأجواء المناسبة، والبيئات الملائمة ..
والتاريخ يحوي نماذج من الممارسات الشيفونية التي صنفت الناس تصنيفا طبقيا، وقسمتهم إلى حكام دائمين، ومحكومين دائمين، وجعلت من القسم الثاني رجال خدمة، واشباه عبيد للقسم الأول، ليس من حقه أن يتطلع إلى ما يتمتع به الأول من مزايا خاصة  وعليه أن يقوم بالأعمال التي يرى فيها الأول تقليلا من قدره ومكانته كحاكم مرموق، وهذا ما عرف في تاريخ هذه المجموعات بالاستكانة والقبول ..
وإلى يومنا هذا لم تتطهر المجتمعات الا في الدول الديموقراطية من هذه النزعات الاستعلائية، فلكل فئة من فئاته قدر من سلوكيات الشيفونية وتأثيراتها، وقدر من مرارتها وآلامها، وهذا بدوره ينعكس في علاقة بعضه ببعض، سواء في النطاق السياسي، أو الاجتماعي، وإليها يعود وزر تضييع مفهوم المواطنة  حين وجد المواطن العادي تجاوبا وتناصرا من بعض ذوي النزعة الشيفونية الذين وجدوا بدورهم في مناصرته والتحالف معه ضمان استمرارية هيمنتهم الشيفونية، وهي وحدها التي تحول اليوم دون بناء اوطان مستقرة تتمتع فيه كل فئات المجتمع بكافة حقوقها السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، دونما اعتراض، أو امتعاض من فئة على أخرى , وليس صحيحا أن الشيفونية من دأب الأكثرية، في المجموعات العرقية المتنوعة،بل ان الأكثرية محل اضطهاد من الأقلية، الأمر الذي ينفي ارتباطها بالقلة والكثرة، وبعرق معين ومحدد، ويعيد تناميها إلى القابلية الكامنة في الذات، متى ما تهيأت لها الظروف، وتوفرت لها الشروط، بغض النظر عن الطبيعة العرقية، والحجم التعدادي، أو المكانة الاجتماعية ..
ولعل الملاحظ هو ارتباط الشيفونية بالدكتاتورية، ارتباطا وثيقا، فكل نظام شيفوني هو بالضرورة نظام دكتاتوري، وكل نظام دكتاتوري لا بد أن تكون له لوثة شيفونية، بشكل وآخر…. لأن الدكتاتورية كما توضح الموسوعة السياسية تعني : حالة سياسية معينة، تصبح فيها جميع السلطات بيد شخص واحد، يمارسها حسب مشيئته… وقد يكون هذا الشخص الدكتاتوري المستبد مستندا في إحكام قبضته إلى حماية عشائرية، أو قومية، تجعل من مفاصل الجهاز الأمني، والعسكري، حكرا على العشيرة، أو القومية، خشية أن ينتزع منه الآخرون السلطة انتزاعا، أو قد يكون معتمدا على قاعدة حزبية متعصبة لنظرية ما، لا يهمها من الأمر إلا عزل السلطة عمن سواها، وجعلها وقفا وحكرا على ذاتها، وحتى هذه القاعدة الحزبية بعصبيتها، تكون في داخلها عصبيات من نوع آخر، قبائلية وجهوية، ودينية، يؤول أمرها في نهاية المطاف إلى التسليم لمن هو أعز نفرا، وأشد منعة، وأكثر فتكا، وبهذا تكون الديكتاتورية رديفة الشيفونية وحامية لها، الأمر الذي يعني استحالة تصور نظام شيفوني من غير نهج دكتاتوري، ولا نهج دكتاتوري من غير نزعة شيفونية، مادامت الشيفونية تعني مطلق التعصب، ومادامت الديكتاتورية تعني مطلق الاحتكار والقهر السلطوي ..

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 26 أبريل 2018 - 12:44